
| محمد كركي “باقر” |
باحث وخبير في الاتصال السياسي.
يتكرر على مسامع الأميركيين أن التوتر مع إيران “تحت التحكم”. عبارة توحي بالاطمئنان أكثر مما تعكس الواقع، فالتاريخ يُظهر أن الحروب من هذا النوع لا تبدأ عادةً بقرار سياسي محسوب، بل بحادثة مفردة -بمقتل شخص واحد– تكسر سقف ضبط النفس على نحو أسرع مما يتوقعه الجميع.
موضع الالتباس
ينصبّ الجدل العام حول سؤال النوايا: هل ترغب أي من العاصمتين في الحرب؟ غير أن هذا السؤال -على أهميته- لا يفسر الكيفية التي تبدأ بها الحروب فعلًا، فالصراعات الحديثة نادرًا ما تنفجر لأن القادة اختاروها بإرادتهم، بل لأنها تتولد عندما تفشل المنظومات في احتواء ضغط الرصد والانتظار.
في السياق الأميركي–الإيراني، كان التصعيد تاريخيًا وليد الصدمة – لا ثمرة التخطيط، فالخسائر البشرية تُبدّل المعادلة كاملة: مع سقوط أول قتيل أميركي، يضيق هامش الوقت، وتتصلب المواقف السياسية، وتتحول الاستراتيجية من محاولة توجيه الأحداث إلى مجرّد اللحاق بها.
لماذا لا يدوم “المحدود”؟
تؤكد إيران أنها سترد مباشرة إذا تعرضت لهجوم، وفي المقابل تنتشر القوات الأميركية في المنطقة انتشارًا واسعًا لا تمركزًا محكمًا، وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ فالتشتت يزيد قابلية الاستهداف، وقابلية الاستهداف تُقلّص زمن القرار، وحين يُضغط الزمن يضعف ضبط النفس. من هنا، تبدو عبارة “عمل عسكري محدود” مضللة وخطِرة في آن؛ فما إن يُقتل جنود أميركيون، حتى تتوقف الردود عن كونها خيارات سياسية قابلة للأخذ والرد، وتغدو كل خطوة لاحقة أكثر ضغطًا على القيادات من سابقتها. ومع كل جولة، تضيق مسارات التراجع، ويتعاظم الضغط الداخلي نحو التصعيد، إلى حدّ يصبح معه الإبطاء صعبًا – وربما مستحيلًا.
أثر “الصهيو-حزب” على القرار
لن تبقى تداعيات التصعيد محصورة خارج الحدود. فأسواق الطاقة ستكون أول من يتفاعل، تليها اضطرابات مالية، وتتغير تصورات الرأي العام بشأن الأمن العالمي قبل أن تتمكن السياسات الرسمية من مواكبتها.
وثمّة سؤال أكثر تعقيدًا قلّما يُطرح: هل يشترط أن يبدأ التصعيد من واشنطن أو طهران أصلًا؟
في مثل هذه الأيام المشحونة، تستطيع أطراف ثالثة -فاعلون كفريق الصهيو-أمريكيين المندسّ في كل ثقب يتنفس منه حاكم البيت الأبيض، قادرون على التأثير في تصورات ترامب أو تضخيم شعوره بالعجز ليتمكنوا من تفعيل عقدة الإله لديه، وبالتالي، ترجيح كفة قرارات سياسية بعينها. وقد يتمكن هؤلاء وأمثالهم من دفع المشهد نحو عتبات حرجة من دون أن يطلقوا بأنفسهم رصاصة واحدة.
لا يستلزم هذا افتراض مؤامرة، يكفي إدراك حقيقة واحدة: مع وقوع أول قتيل أميركي، تصبح السيطرة على مسار التصعيد أكثر صعوبة بكثير مما يُتصوَّر.
الخطر الحقيقي ليس حربًا نوقشت بتأنٍّ واتُّخذ قرارها عن قصد، بل حربًا لم يخطط لها أحد – أشعلها سوء تقدير واحد، وأضرمتها منظومة متضخمة الأنا اكتشفت -في وقت متأخر- أن مكابحها أضعف مما كانت تعتقد.
خلاصة القول…
ليس السؤال ما إذا كانت الحرب مرغوبة أم لا، بل ما إذا كان بالإمكان إيقافها، بعد سقوط أول قتيل أمريكي.
تنويه من موقعنا
تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
yalebnan.org
بتاريخ: 2026-01-16 17:01:00.
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقعنا والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.
ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.
